تقبّل الآخر ضرورة عصرية


.هذا المقال مشاركة من المحامي الصديق محمد مازن الناصر

عندما تمر كلمة “تقبل” على مسامعنا للوهلة الأولى نتفاجئ بأن الجميع يبادر بالادعاء انه يتقبل الغير، وعند الغوص في ذاك المفهوم تبدأ الصراعات المعلنة وعلى افضل حال يكون صراع داخلي، يتباهى العديد بتقبل المماثل. مفهوم التقبل أوسع من فقط تقبل الأديان أو المعتقد أو عرق؛ فان وجدنا شخص متقبل لدين مختلف ولا يتقبل اختلاف العادات فهذا ليس من قبيل التقبل

التقبل وأشكاله

إن التقبل لا يحتوي على مثال واحد فقط، بينما التقبل وعدم الوصمة والتمييز بالاضافة الى عدم الحكم ضد الاخرين هو أساس رقي أي مجتمع، مع تسليط الضوء في هذا الصدد على أن روح التقبل تكمن بمن لا يؤذي الاخرين وبمن لا يمس بكرامة أي شخص فلا نستطيع أن نعتبر من يملك معتقدات اجرامية يشوبها قتل الاخر أو سرقة الاخر بأن ذلك حرية معتقد أو توجه فكري، أما ما دون ذلك فأي معتقد أو تصرف تحت ظل القانون محمى بموجب جميع النصوص الدستورية والقانونية. فكيف لهذا الشخص الذي يحكم ضد المختلف أن ينصب نفسه الحاكم والجلاد ؟ إن عدم التقبل يؤدي إلى ازدياد نسبة الجريمة وذلك في قمة الخطورة على مجتمعاتنا.

كم سمعنا عن تلك “المطلقة” والتي وصِمت فقط بسبب عدم اتفاقها مع الشريك بمؤسسة الزواج، كم سمعنا عن وصمة العار ضد تلك “المحجبة” أو تلك “الغير محجبة” أو ذلك “المتعايش مع فيروس نقص المناعة المكتسب” أو التمييز ضد “أصحاب البشرة السمراء”، أو أي توجه مختلف، كم سنجد أراء مضادة ولربما أن يهدر دم ذاك المختلف. حيث أن عدم التقبل يزيد من الجرائم.

التقبل والجريمة

عدم التقبل و الوصمة والتمييز ضد المختلف، يوقع المجتمع بزيادة نسبة الجريمة، وكم سمعنا بكل ألم عن تفجير رموز دينية أو قتل أشخاص بسبب اختلاف المعتقد، كم سمعنا عن الجرائم تحت داعي الشرف وازهقت أرواح بكل أنانية بسبب عدم التقبل، كم سمعنا عن دعوة للتحرش بإناث بسبب لباسهن وكم أن ذلك محزن أن نجده في وطن يسعى للانتاج ويسعى للتطور. وكل ذلك يحد من جمال مواد الدستور الأردني.

التقبل في الدستور الأردني

عندما نبحر بين نصوص الدستور الأردني سنستـمتع بمواد تعطي حرية للمواطنين بشكل لطيف جدا، فبداية أن جميع الأردنيون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين؛ كما نصت الفقرة الأولى من المادة السادسة من الدستور الأردني، رغم العديد من المطالبات لتوسعة دائرة الاختلافات حتى لا نقع في زاوية التفسير الخاطئ.

أما المادة (7) فقد نصت بوضوح بأن الحرية الشخصية مصونة وأن كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون.

مرورا بالمادة (8\1) تنص بوضوح بأنه لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقييد حريته إلا وفق أحكام القانون.

وكم أنني معجب بتلك المادة (14) التي تنص على أن الدولة تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية في المملكة ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للاداب ولا زلت أتمنى أن نلغي تلك الجملة المطاطية (النظام العام أو الاداب العامة) ومن قال بأن الأداب متشاركة أو متشابهة مع الجميع و كم أن هذه الجملة واسعة التطبيق حيث أنه من المنطقي جدا بأن نجد أخوين كل منهما لديه اداب وأنظمة مختلفة، فما أجمل لو قام المشرع بتفسير هذه الجملة.

أما المادة (15) فكان لها رفع القبعة احتراما:

    1. تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون.
    1. تكفل الدولة حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي والرياضي بما لا يخالف أحكام القانون أو النظام العام والآداب.
    1. تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون.
  1. لا يجوز تعطيل الصحف ووسائل الإعلام ولا إلغاء ترخيصها إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون.

ما أجمل هذه الشعارات، ما أجمل أن تطبق في الواقع وما أجمل أن نجد مجتمع مليئ بالحريات حرية المعتقد وحرية التعبير وحرية الرأي كما أنه بوضوح ربط المشرع الحرية في البحث العلمي مما يؤثر مباشرة على النتاج للدولة.

التقبل والانتاج

عدم التقبل هو خطر مؤثر بشكل مباشر على انتاج الدولة فكيف لنا أن نزيد نسبة الانتاج لأشخاص يهدرون الوقت لاثبات انهم على حق وأي شخص مخالفهم الرأي بأنه جاهل أو أن رأيه مغلوط دون الاستناد إلى أي رأي علمي فقط لمجرد الاختلاف، وهؤلاء لديهم القدرة على إضاعة أيام وشهور فقط لغايات اثبات أنه أفضل من أي شخص دون أن يقوم بأي انتاج.

إن أساس الإنتاج هو أخذ المواد الخام وتحويلها الى مواد تصلح للاستهاك لغايات تحقيق المنفعة والفائدة للمنتج، وذلك يتطلب مجهود وتخصيص وقت وتركيز حتى نصل الى مجتمع منتج. أما في ظل عدم التقبل، يكون من الواضح أن الأولويات تكون لغايات الحكم ضد المختلف وازهاق الوقت بالوصمة والتمييز وذلك بتدخل غير منطقي في خصوصيات و\أو معتقدات الأشخاص مما يعتبر لا أخلاقي.

وفي النهاية فان التقبل هو مطلق طالما أن روحه هو عدم ايذاء الاخرين ولا يوجد استثناءات طالما بأن روح التقبل موجودة، لا للوصمة ولا للتمييز، لا لعدم التقبل ولا للحكم ضد الاخرين ودائما نسعى لايجاد مجتمع منتج خال من الوصم والتمييز فالوصمة تقتل الأمل، ولا بد أن نرى الأمل ينيير طريقنا نحو الانتاج.

المـحـامـي

مـحـمـد مـازن الـنـاصــر

Advertisements

قصة من وحي الواقع.. لا للاعدام


أخيرا جاء يوم القصاص، يوم الحساب، يوم الدفع، يوم أن يحاسب ذلك المجرم على ما اقترفته يداه. هو لم يقتل ابنتي فقط، بل قتلني أيضا وقتل أباها وأخاها وكل من تحب معها.

لم أعرف النوم ليلتها وأنا أعد الساعات بانتظار هذه اللحظة. جلست على مسافة منه وهم يحضروه، وكم تمنيت لو أكون أنا بينهم، أنظر إلى عينيه وأرى فيهما ذلك الخوف الذي تركه في عيني سهى يوم خطفها من بين أيدينا. كم تمنيت لو كنت أنا من حضر ذلك الحبل الملقى من السقف، لو كنت أنا من لففته حول رقبته وسحبت الكرسي من تحت أقدامه ووقفت إلى جانبه وانتظرت انسحاب النفس منه ببطء بستحقه من هم أمثاله. لو كان الأمر بيدي، لكنت أرجعت الروح له بعد أن تخرج من جسده وأعدت الكرة مرة وثانية وثالثة لعلها تشفي غليلي وتريح روح حبيبتي.

لكني وقفت بعيدا، بين أذرع زوجي، أنظر إليهم يعدموه بقسوة رسمتها على وجهي أردتها بنفس القسوة التي ملأته حين نفذ جريمته.

على مسافة مني، وقفت والدته، تصرخ بهستيرية، متوسلة إلي أن أسقط حقي، “عبد مظلوم، والله عبد مظلوم.. ابني ما بقتل.. ما تحرميني منه”

تجاهلتها، كما تجاهلتها من قبل حين حضرت عشرات المرات تقبّل من يدي وتترجاني العفو. كيف لي أن أعفو وأنا التي لن يشبعني روحه؟ كيف لي أن أعفو وأنا التي تمنيت لو ألف ذلك الحبل على رقبته ورقبة أمه وأباه وأخوته وكل من عاشر ذلك المجرم.

تركتها تصرخ وتتضرع وتولول وأنا أتابعهم يقودونه مغطى الرأس ويلفون الحبل حول رقبته. شاهدتها تنهار وتقع أرضا غائبة على الوعي حتى قبل أن ينفذ ولدها الفاظه الأخيرة ويدفع ثمن فعلته.

تركتها يومها تتعذب كما عذبتني، ولكن عذابي من بعدها لم يخف، رافقني لسنوات عديدة كنت أحاول بها أن أخبر طفلتي أن قاتلها قد دفع ثمن فعلته. كنت أتخذها حجة لأرى روحها أكثر راحة بعد أن تحقق العدل.

لكن ذلك المرهم الذي كنت أضمد به جراحي لم يصمد أمام ظلم الدنيا، فها هي المحكمة تعيد التحقيق بالقضية مدفوعة بشغف والدته وايمانها ببراءة ولدها. ها هي تهزني وتقتلني مرة ثانية وثالثة ورابعة بإقرارها بأن الأدلة الجديدة تبين أنه لم يكن قاتل ابنتي وأن القاتل الحقيقي مازال حيا يرزق طليقا بيننا.

كدت أنهار حين جاءت لزيارتي وبيدها قرار المحكمة ببراءة ابنها. رمته في وجهي وصرخت صرخة كنت أعرفها جيدا. شعرت بأني أنا القاتل يومها. أنا المجرم. أنا الفاقدة للإنسانية. كيف لي أن أذيق امرأة أخرى نفس الكأس المرة التي شربتها؟ كيف سمحت لنفسي بتعذبيها بنفس الطريقة التي عذبت أنا بها؟ وهي، بريئة، مثلي مثلها، لا ذنب لها ولا حول ولا قوة.

شعرت بطفلتي بالسماء، ساخطة، غاضبة علي، وكأن روحها لم تهدأ سوى اليوم حين ظهر الحق. وشعرت بنفسي أصرخ وأصرخ وأصرخ “آخخخ من الظلم.. آخخخ.. من الدنيا”