جريمة التحرش في إربد، يجب إعادة تطبيع العلاقة بين الجنسين


في بداية ايامي المهنية قبل اكثر من عشر سنوات كان لدي زميل في العمل من سكان مدينة إربد. كان هذا الشاب شديد التدين، لا تفوته صلاة ولا صوم ولا ينفك برفع صوت تلاوة القرآن في مكتبه بدل الموسيقى المنتشرة في وقتها. وفي يوم من الأيام خرجت معه للغذاء في سيارته. كان يقود سيارته بشكل جيد إلى أن شاهد فتاتين تقفان على ناصية الشارع فما كان منه إلا أن اقترب بسيارته منهما، ضرب زموره، فتح نافذته وعلق تعليق جنسي لا أذكره اليوم. حين استهجنت فعلته بعدها، أجابني بأن منظرهما بالشعر الفارد الطويل واللباس الضيق يوحي برغبتهما بما فعل!

لا أذكر هنا تدين الشاب رغبة في مهاجمة المتدينين ولا المح إلى مدينة إربد بالذات كمنطقة تنتشر فيها ظاهرة التحرش الجنسي ولكن الذاكرة أعادت لي ذلك المشهد اليوم مع انتشار فيديو التحرش الجماعي في الفتاتين قرب جامعة اليرموك في إربد. الجانب الديني للشاب يأتي بتناقض تام مع ما فعله، والقصد من ذكر تدينه هو محاولة فهم نفسية الشاب الأردني الذي يجب تبريرا للتحرش الجنسي في القتيات في الشارع إلى درجة لا يعد يرى فيها تناقضا مع أخلاقه العامة ووازعه الديني. فهو قد يرفض سماع الموسيقى لأنها حرام، ولكنه لا يجد مشكلة في التحرش الجنسي. المنطق البشري شديد الغرابة، فبعض الشباب المتدين يرى بالمرأة التي لا تلتزم باللباس الديني الذي يؤمن به بأنها عاصية وأنه بتحرشه الجنسي فيها يعطيها درسا علها تتعظ.

أعرف جيدا بأن هذا التوجه من التفكير محدود بين فئة معينة من الأشخاص ولا يفسر انتشار ثقافة التحرش الجنسي بهذا الشكل الكبير بحيث لم يعد لباس المرأة يحميها من تحرشات الشباب وأضحينا نرى مشاهد فيديو لتحرشات جماعية تقشعر لها الأبدان.

قبل حوالي سنتين، قامت دكتورة في الجامعة الأردنية بمساعدة بعض الطالبات على عمل فيديو يحارب التحرش الجنسي في الجامعة الأردنية ولكنها طردت على أثرها من الجامعة. قام وقتها الداعية الديني أمجد قورشة بجمع حوالي ٥٠ فتاة من كلية الشريعة في الجامعة للوقوف وقفة سماها وقفة “العفة” كان الهدف من ورائها محاربة الدكتورة لأن نشاطها لمحاربة التحرش الجنسي اعتبر تشهيرا في الجامعة الأردنية وتوسيخا لسمعتها. فنحن عادة نجرّم عند فتح أفواهنا ونفضح ما يحصل، وكأن سمعة الجامعة تلطخ بالحديث عن ما يجري فيها من أهوال، لا من الأهوال نفسها التي يجب محاربتها.

فيديو التحرش الجنسي الجماعي في إربد الذي انتشر اليوم أدى إلى غضب شعبي عارم ورفع مشكلة التحرش إلى واجهة النقاش الاجتماعي. ذلك شيء جيد ولكن يجب علينا أن نستغل هذه الفرصة لنطلب من الحكومة التعامل مع هذه الظاهرة بجدية أكبر. المطلوب استراتيجية وطنية واضحة لمحاربة هذه الظاهرة. وجود سيارة الشرطة في الفيديو وعدم تدخلهم لحماية الفتاتين يشعرني شخصيا بالخزي. وجود هذا الكم الهائل من الشباب اللاهث خلف الفتاتين يدق ناقوص الخطر بأن هذه الجريمة أصبحت جزءا من الثقافة الشعبية ومن الصعب محاربتها فقط بتطبيق عقوبة رادعة من دون دراسة الأسباب من خلفها.

أعتقد شخصيا أن فصل الجنسين في المقاعد الدراسية أدى إلى تشويه العلاقة بينهما. هنالك انعدام ثقة واحترام بين الرجل والمرأة في مجتمعنا. لربما كان بذرته محاولة تقييد العلاقات الجنسية ولكنه أضحى اليوم مشوها للصورة الطبيعية التي يجب أن يكون عليها أي مجتمع صحي. يجب علينا إلغاء المدارس غير المختلطة وتصحيح العلاقة بين الجنسين.