أحمد الشقيري يسقط في خواطر 10


خواطر

خواطر

بعد مواسم عديدة ناجحة من الدعوة الدينية في حلتها الابداعية الجديدة التي ظهر بها أحمد الشقيري في برنامج خواطر، نراه يسقط في الموسم الجديد بعد أن استبدل معادلة نجاحه من الخطاب الايجابي الجاذب للدين إلى آخر، طالما اعتدناه، سلبي يغيب الحقائق العلمية ويعتمد على نصوص دينية مفسرة بإطار ذكوري يرجح كفة الترهيب على الترغيب. حلقات الموسم الجديد تفتتح في بعبارة “هذا الموسم يكمل ما قبله لا ينقصه”، وكأن معدي البرنامج على وعي بأن ما سيتم طرحه في الموسم الحالي فيه ما قد يأكل من نجاحات المواسم السابقة. بعد مشاهدتي لحلقتي البرنامج ال١٣، ال١٤ استطيع أن أقول أن الموسم الجديد لم ينقص ما قبله فقط بل دمّره ودمر معه احترامي لأحمد وللبرنامج.

هنالك اصرار في الخطاب الديني الاسلامي المعاصر على استعداء الحريات الجنسية والجسدية. ذلك الاستعداء نما في العقود القليلة الماضية ليشكل عماد المقاومة للمد الثقافي الغربي الحديث وهيمنته على كافة قيمنا وأفكارنا وطريقة عيشنا. وكأننا بإصرارنا إنكار جنسانيتنا وحرياتنا في التعبير عن هوياتنا الجنسية نتمسك بما تبقى من إرثنا الحضاري. مع أن إرثنا الحضاري، للمطلع منا، يحمل كما كبيرا من الانفتاح الجنسي كان مستهجنا للمستشرقين الأوروبيين من العصور الوسطى. الإرث الثقافي العربي اليوم هو أقرب إلى الفكر الذكوري للعصر الفكتوري منه للتاريخ الإسلامي في العصور الإسلامية المختلفة.

في بداية الحلقة ١٣، يأخذنا أحمد الشقيري في رحلة تاريخية داخل المتحف البريطاني للأزياء النسائية ليثبت كيف تغيرت الملابس النسائية من تلك التي تغطي الجسد بشكل أكبر في القرن الثامن عشر، سماها هو برداء العفة، إلى تلك الكاشفة لجسد المرأة خلال القرن العشرين وبالأخص بعد الثورة الجنسية في الغرب. ما أراد اظهاره أحمد من هذه الرحلة هو إظهار التدرج في الانحلال الأخلاقي الغربي، ولكنه بالواقع أثبت تحجر الفكر العربي الحديث بأفكار اوروبا العصور الوسطى. لا نحتاج اليوم إلى اخراج تلك الأثواب النسائية من متاحف العصور الوسطى بقدر ما نحتاج إلى وضع الفكر العربي المماهي لها داخل تلك المتاحف إلى جانبها. ذلك هو المكان الأفضل لتلك الحلقة من خواطر. ذلك الهوس بعفة المرأة الجنسية دمر العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة وخلق مجتمعات عربية مريضة. من الأولى بنا إعادة ربط العفة، كما هو الشرف، بالأمانة والصدق والنبل عوضا عن تكبيل الجسد بها.

ينتقل أحمد الشقيري في الحلقة من الحديث عن الملابس النسائية إلى تسليط الضوء على “الشذوذ الجنسي” بوصلة غريبة مع حديث عابر إلى أحد الشيوخ يدعي أن اشباع الغرب الجنسي مع تحرر المرأة أدى إلى ظهور ممارسات جنسية شاذة. وهو هنا لا يحاجج الشيخ في منطقه البسيط البعيد كل البعد عن فهم جنسانية الانسان بل يسقط بفخ عدم المهنية وينتقل إلى سان فرانسيسكو لمهاجمة المثلية الجنسية. وهنالك ينقلنا أحمد إلى ذلك العالم بسطحية وهو يتهكم على أشكال الناس في الشارع وكأن ذلك هو من شيم الإسلام الذي يمثله! كان الأولى به أن يطرح  مفاهيم الميول الجنسية والهوية الجندرية ويسأل تلك المرأة في جسد رجل، الذي فريق وضع الإعداد شارة سهم على رأسها وبعبارة “رجل” بسخرية، عن معاناتها وسبب رفضها للهوية الجندرية التي يريد أن يلبسها بها مجتمعها.

وكما انتقل أحمد بمنطق ضعيف ليفسر انتشار الممارسات الجنسية الغريبة، انتقل أيضا ليسلط الضوء على ما أراد اظهاره بالعقاب الإلهي للشعوب التي تنتشر الفاحشة بين أبنائها. وهنا يختزل كافة الحلول الاجتماعية للمشكلة التي يراها في الارهاب الديني، فهو تارة يدعي أن سان فرانسيسكو، عاصمة الشواذ في رأيه، فيها أكبر نسبة انتحار في العالم، وذلك ربما يعود لوجود الجسر جولدن جيت أكثر من وجود المثليين. وقد حاول برهان نقطته بفشل حين قال أن نسبة المنتحرين من الشواذ جنسيا عن الجسر تعد ٥٠٪ من دون التفكير ولو لحظة أن ذلك يعني بأن المنتحرين ال٥٠٪ الباقية هم مغايرو الجنس! وتارة يأخذنا إلى بومباي ويحاول الربط بين البركان الذي قضى على المدينة وبين انتشار الانحلال الجنسي بها في وقت كان الأولى به التركيز على سدوم وعمورة اللتا ذكرتا بالقرآن الكريم عوضا عن ادعاء مقاربة غير موجوده لربما بسبب عدم وجود اثبات مادي على ما حصل في تلك المدن المذكورة في القرآن. وتارة أخرى يركز على انتشار الأمراض الجنسية وازديادها مع التحرر الجنسي، وهو أمر مفروغ منه ومعروف، وحله يكمن بالمزيد من الوعي الجنسي باستخدام ادوات الجنس الآمن عوضا عن استخدام اسلوب الترهيب والتخويف الذي لا يصلح سوى لشعب لم يزل في طفولته الفكرية.

للأسف خسارة خواطر كبيرة بعد الحلقتين الاخيرتين. أظهرتا لنا أن البرنامج بدأ يميل إلى حالة تجارية أكثر من حالة فكرية ورغبة في اصلاح المجتمع. كنت أتمنى لو كان أحمد درس الموضوع بعمق أكبر قبل التطرق له. من الخطر مهاجمة أفراد مهمشين من المجتمع بتلك السطحية في وقت مازالوا يتعرضون إلى كافة أنواع الاضطهاد والتنمر والرفض الاجتماعي. قد يكون الانتحار موجود بشكل أكبر بين مثليين الجنس وذلك يعود إلى رفضهم الاجتماعي لا إلى ميولهم الجنسي. حلقة خواطر قد تدفع المزيد من الشباب المراهق، الرافض لجنسانيته، والجاهل لماهيتها، إلى اللجوء إلى الانتحار كوسيلة للهروب. وتلك هي الفاحشة الأكبر التي يحمل وزرها أحمد الشقيري شخصيا وفريق إعداد برنامج خواطر.