دور هيئة الإعلام الأردنية ومنع الكتب في 2018


يؤسفني قرار مديرية المتابعة في هيئة الإعلام الأردنية منع روايتي الجديدة “ليلى والحمل” من دخول السوق الأردني على مستويين، ككاتب أردني وكمواطن يؤمن بحرية التعبير وحق الفرد بالوصول إلى المعلومة دون وصاية أو رقابة حكومية.

ومع تفهّمي لدور هيئة الإعلام الأردنية وواجبها الوطني في بناء نظام إعلامي حديث يتماشى مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي التي ينتهجها الأردن كما تقر الرؤية الملكية للإعلام المنشورة على موقع الهيئة الإلكتروني، إلاّ أني أجدني اليوم في موقف التشكيك، لا في .نزاهة الهيئة، بل في آلية عملها ونهجها لتطبيق هذه الرؤية

لذلك ارتأيت أن أطرح هنا بعض النقاط للنقاش العام لعلّنا نستطيع الوصول لتوافق يراعي روح العصر وينصف الأدب والأدباء ويحترم عقل المواطن الأردني.

كنت قد قمت بزيارة هيئة الإعلام الأسبوع الماضي لمناقشة أسباب منع الرواية. وللأمانة استقبلني مسؤول مديرية المتابعة بحفاوة وانفتاح واحترام (كل الاحترام والمودة لشخصه الكريم)، وهو كذلك لم يبخل عليّ بوقته ولا بصراحته بوجوب منع الرواية من وجهة نظره. كما أنه شرح لي بأن قرارات المنع تكون في الغالب مستندة على نصوص قانونية لا آراء شخصية لموظفي المديرية. وبالنسبة لرواية “ليلى والحمل” قال أنهم وجدوا فيها “وصف للعملية الجنسية وألفاظ بذيئة وأفكار بعيدة عن مجتمعنا”، لذلك فقد استوجبت المنع لأنها تخالف القانون الأردني الذي يمنع الكتب التي تحتوي على “عبارات منافية للأخلاق والآداب العامة”.

أعتقد أنه علينا أن نقف أمام هذه العبارة في القانون ومدى صلاحية تطبيقها على الأعمال الأدبية والفنية، فهي قد تصلح للحكم على مقال صحفي يخاطب العامة لكنها لا تصلح للحكم على عمل أدبي أو فنّي يحاكي الواقع ويحاول رسم شخصيّات روائية متكاملة قد تعيش حيوات لا أخلاقية وتقوم بأفعال منافية للأخلاق وتنطق بعبارات مخالفة للآداب العامة.

كذلك علينا أن نعي المدى الشاسع الذي تنضوي تحته الأخلاق والآداب العامة وتجنب الوقوع في فخ اختزالها في “المسبّات” والأمور الجنسية. فالأخلاق العامة تحتّم علينا احترام حرية الفرد بالتعبير وتوجب علينا التمسك بواجباتنا الأخلاقية بالمطالبة بعدالة اجتماعية تنصف كلا المرأة والرجل وتعيد تصويب التشويه الاجتماعي الحاصل لحال المرأة نتيجة جهل عام في كينونتها وجنسانيتها. فالثقافة الجنسية غائبة عن مدارسنا وهي كذلك محاربة في كتبنا. وفعلاً، استخدم في “ليلى والحمل” اسلوب نسوي قد يكون راديكالي بعض الشيء في الأدب بغية موازنة التطرف الذكوري المسيطر على ثقافتنا. والقصة تحتوي على بعض المشاهد الجنسية المهمة لبنائها الدرامي وهذه المشاهد كتبتها بشكل مختصر يحمل بعض الجرأة وبهدف توعوي لا اباحي. فالشخصية الرئيسية في الرواية هي امرأة تحب السيطرة في علاقاتها الجنسية وتعاني من علاقتها مع زوجها. والرواية تسلّط الضوء على حياتها الخاصة والعامة وتحاول قراءة العلاقة بينهما ولربّما تحاول تصويب الفكر العام السائد الذي يقر بأن النساء خاضعات بالجنس بالعموم ويربط بين خضوعهن بالجنس وواجب خضوعهن في الحياة العامة.

قد يكون الطرح جديد في الأدب الأردني، ولكني أجد أنه من الخطأ الحكم على الأفكار المطروحة بمنطق بعدها وقربها من مجتمعنا. فما هي وظيفة الأدب إن لم تكن طرح أفكار جديدة ونقد للفكر السائد؟ وكيف تتطور المجتمعات إن انغلقت على نفسها ومنعت من مناقشة أفكار غريبة عليها؟ أيمنع الرقيب كل فكر جديد بحجة بعده عن مجتمعنا؟ ولماذا لا نترك للمجتمع أن يقرر ما يناسبه، فيقرأ ما يريد ويترك ما يريد، دون وصاية حكومية مقتصرة على أفراد في دائرة واحدة قد يكون لديهم فكر وأخلاق خاصة بهم؟

كذلك أجدني هنا أطالب بمراجعة تطبيق هذا القانون على الأعمال الأدبية، فكيف لنا أن ننتج أعمال أدبية تحاكي الفساد الموجود في المجتمع بكافة أشكاله دون خدش للحياء العام؟ كيف لنا أن نصف حياة قاتل أو سارق أو مغتصب أو سارق أو مدمن للمخدرات أو إرهابي أو أو أو دون نقل صورة حقيقة لحيوات هؤلاء الأشخاص التي تكون في الغالب بعيدة عن الأخلاق والآداب العامة؟ أليس الأولى بنا الإقرار بأننا بتطبيق هذا القانون على الأعمال الأدبية نقتل الرواية الأردنية ونحد نموها وانتشارها؟ فكيف لنا أن ننجح في خلق صناعة وطنية ابداعية تسخر طاقات الشباب وتساهم في انتعاش الاقتصاد ونحن نحارب انتاجاتنا الابداعية بعقلية زمن غابر؟

المؤسف أن منع الروايات من دخول الأسواق الأردنية مازال يطبّق في وقت تنتشر فيه الانترنت وتصل إلى كل بيت وكل هاتف محمول دون رقيب أو حسيب. فالكل يعلم بأن الإنترنت فضاء مفتوح، والمواقع الاباحية ليست محجوبة في الأردن، كذلك فإن أي فرد منّا يمكنه الوصول إلى أي معلومة يحتاجها كانت قريبة من أفكار المجتمع أم بعيدة عنه وهو جالس في غرفة نومه. المواطن الأردني لا يحتاج إلى القيام بأي مجهود للوصول إلى المكتبة والبحث عن كتاب معيّن يحتوي على ما عبارات مخالفة للآداب العامة، فالانترنت مفتوحة لذلك. كذلك فإن الكتاب الرقمي، وكذلك الصوتي، أصبحا متوفرين اليوم، وإن كان الرقيب يملك الأدوات والسلطة على منع الكتب الورقية، فهو مازال عاجزاً عن تقييد الحريّات الموجودة على الانترنت. وإن كانت الحكومة تعي أن مجتمعنا قد وصل إلى مرحلة من النضوج ترفض الوصاية على المحتوى وحق الوصول إلى المعلومة على الانترنت، لماذا مازالت ساكتة عن تصحيح عمل دوائر مهمة تعمل بعقلية قديمة؟

للأسف فإن منع الكتب يعد منعاً شكليّاً اليوم، يضر بصناعة الكتب ويحد من الإبداع ويحبط الأدباء، لكنه لا يمنع الكتاب من الوصول إلى القاريء.

كذلك فإني استغرب اسلوب التواصل الذي تتبعه الهيئة لتبيلغ المعنيين بقرار المنع، فهم يعلنون ذلك هاتفيّاً ويرفضون تسليم قرار المنع بشكل مطبوع. وقد قمت فعليّاً بطلب بتقديم طلب لاستلام كتاب المنع رسميّاً وقوبل طلبي بالرفض من قبل الهيئة. كيف يستقيم ذلك دون توضيح اسباب المنع كتابيّاً ليتسنى للكاتب أو دار النشر تقديم اعتراض عليه؟

أتمنى أن تعيد هيئة الأعلام الأردنية مراجعة عملها ليتناسب مع روح العصر كما تقر الرؤية الملكية للإعلام، فالمنع وتقييد الحريات ووأد الابداع لا يتناسب مع الواقع الحالي لمجتمعاتنا ولا يساهم في تحقيق التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نطمح لها.

 

Advertisements

هل سنشاهد خطابات دينية مختلفة كما يحصل في أمريكا؟


مخطيء من يعتقد بأن الثقافة المستوردة من الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص هي ثقافة منحلة تقتصر على الاغاني والافلام والاكل والتنولوجيا واللباس والافكار الغريبة عن ثقافتنا الخاصة. مخطيء من يغفل عن قوة المؤسسات الدينية في الغرب وخاصة تلك المؤسسات الموجودة في أمريكا ومدى نفوذها وانتشارها ودفاعها المستميت عن أفكار معينة وثوابت دينية تحمل سمة المحافظة. كما أنه مخطيء من لا يلمس تصدير الأفكار الدينية، الخطاب الديني، ووسائل نشر هذه الخطابات الدينية المسيحية من أمريكا الى الوطن العربي وطمسها بحلة اسلامية في العالم العربي شأنها شان الافكار والوسائل الاخرى المستوردة من الغرب.

انتشار القنوات الدينية في الولايات المتحدة الامريكية ترجم بانتشار للقنوات الدينية في العالم العربي مع انتشار الفضائيات. استخدام الانترنت لمد النفوذ الديني في أمريكا حوكي في العالم العربي. انتشار فكرة الداعية الديني ذا الكريزما الشخصية القوية والقريب من الناس انتقلت من أمريكا الى العالم العربي في الاعوام القليلة الماضية بداية من مصر وعمرو خالد وغيره الكثيرين الى الاردن اليوم من امثال الدكتور أمجد قورشة ووزير الشباب السابق الداعية الديني الدكتور محمد نوح القضاة.

اليوم عرضت على شاشة الام بي سي ٤ حلقة للدكتور أوز(صاحب برنامج للنصائح الطبية) استقبل فيها رجل دين امريكي يعد من أكثر رجال الدين شعبية واهمهم تأثيرا في الولايات المتحدة. ما شد اهتمامي في اللقاء هو طبيعة الحملة التي قرر اطلاقها رجل الدين الامريكي. لم تكن الحملة تركز على اي من الامور التي اعتدناها في الخطابات الدينية التقليدية من تشديد على التحريم وما هو صحيح او خاطيء بناء على ما كتب في الكتاب، بل كانت حملة لمحاربة السمنة ودعوة نحو انسان بصحة جيدة، بداية من  القسيس نفسه مطلق الحملة. اعجبني ما نوه اليه بأن الصحة الجسدية مهمة جدا للانسان كي يستطيع انجاز مهامه اليومية الاخرى من عمل وعاطفة وروحانية بشكل افضل. كما اعجبني ما قاله من ان الارادة وحدها لا تكفي لتغيير سلوك الفرد، بل يجب ان يرافقها تغيير في المعتقد الافكار كي يتم تغيير السلوك.
Continue reading →

بصراحة, من يغير من لهجته الأم أو لغته حسب الدائرة الاجتماعية التي يجد نفسه بها؟


عندما كنا نتابع المعاملات الرسمية لليكي ليشس (الله يرحمه) في الدوائر الحكومية. كنت أستغرب من التحول الذي كان يطرأ على لهجة شريكي (صديقي) و هو يتكلم الى موظف الحكومة. صديقي الذي عادة يتكلم باللغة الانجليزية في بيته لأن والدته أجنبية, و يتكلم باللهجة المدنية بالعادة, يحاول التشديد على كل الحروف “القاف”, “الثاء”, و “الظاء” بطريقة  مضحكة.

قبل شهر تقريبا وقع أخي و تمزقت أربطة قدمه فاضطررت أن أسرع به الى المستشفى. هنالك, و في غرفة الطواريء تغيرت لهجة أخي و هو يتحدث الى الطبيب و أصبح ينطق كلمات لم أسمعها على لسانه من قبل مثل كلمة “هسى” مثلا!

في الحقيقة, فليس من الغريب أن ترى هذا التحول اللغوي في عمان عند الأشخاص حسب الدوائر الاجتماعية التي يجدون أنفسهم بها, فنحن و بسبب هوسنا لتصنيف الناس, حملنا اللغة أبعاد عديدة. أبعاد ليست فقط ذات صبغة جندرية بل أيضا ذات وجه طبقي و عنصري أيضا بحيث أضحى كم كبير منا غير مرتاح بلهجته الأم عند التواصل مع الاخرين.

Continue reading →